خليل الصفدي
140
أعيان العصر وأعوان النصر
رأيته بحلب سنة ثلاث وعشرين وسبعمائة ، وكتب إليّ نظما يبل كبد من يظمأ ، وأحببته عن ذلك ، وذهبا مني في ليل الضياع الحالك ، ثم إنه بعد ذلك ساد وثنى الوساد . ولم يزل إلى أن وصل ابن مهاجر حينه ، وأغمضت بالممات عينه ، وتوفى - رحمه اللّه تعالى - . أنشدني من لفظه لنفسه بحلب في التاريخ : ( الكامل ) ما لاح في درع يصول بسيفه * والوجه منه يضيء تحت المغفر إلّا حسبت البحر مدّ بجدول * والشّمس تحت سحائب من عنبر قلت : جمع في هذا بين مقطوعين أحدهما قول أبي بكر الرصافي : ( الكامل ) لو كنت شاهده وقد حمى الوغى * يختال في درع الحديد المسبل والثاني قول المعتمد : ( المتقارب ) ولمّا اقتحمت الوغى دارعا * وقنّعت ، وجهك بالمغفر حسبنا محيّاك شمس الضّحى * عليها سحائب من عنبر ومن شعره : ( الرمل ) ومن عجب لظى قد سعّرتها * جداول قد أقلّتها بدور ومنه لغز في قالب اللّبن : ( الرمل ) ما آكل في فمّين * يغوط من مخرجين مغرى بقبض وبسط * وما له من يدين ويقطع الأرض سعيا * من غير ما قدمين قلت : نظم رائق ، ولفظ يخجل الحدائق ، ولكن ليست مقاصده في هذا اللغز مليحة ، ولا معانيه صحيحة ، وأحسن منه قول محمّد بن شرف القيرواني « 1 » : ( الطويل ) وما بالغ في يومه ألف لقمة * ولقمته أضعاف أضعاف وزنه إذا ملأ المأكول جنبيه لم يقم * سوى لحظة أو لحظتين ببطنه
--> ( 1 ) محمد بن شرف القيرواني هو : محمد بن سعيد بن أحمد بن شرف ، أحد فحول شعراء المغرب ، له كتاب أبكار الأفكار ، المتوفى في سنة : 460 ه ، ( انظر : الوافي بالوفيات : 3 / 97 ) .